من أبيات هيلز إلى شام فيو… هل نبني مدناً جديدة أم أسواراً جديدة؟ عندما يصبح السور اجتماعياً

موجة جديدة من المشاريع العقارية تفتح سؤالاً أكبر من العقار نفسه

خلال أشهر قليلة، دخلت إلى المشهد العقاري السوري مجموعة من المشاريع الكبيرة التي تقدم مفهوماً مختلفاً عن البناء السكني التقليدي.

أبيات هيلز، يعفور 963، شام فيو، رويال سيتي، ضاحية زمزم وغيرها من المشاريع المعلنة أو المخطط لها، لا تقدم مجرد بناء يحتوي على عشرات الشقق، بل تتحدث عن مجتمعات سكنية متكاملة: مساحات خضراء، مرافق رياضية، مراكز تجارية، مدارس، خدمات، أنظمة ذكية، وأحياناً بوابات وخصوصية وأمن وإدارة خاصة.

وهذا تطور مهم للسوق العقاري السوري.

لكن عندما يتحول المشروع من بناء إلى حي كامل، يجب أن يتغير النقاش أيضاً.

فالسؤال لم يعد:كم شقة سيبني المشروع؟

بل:أي نوع من المدن والمجتمعات نبني لسوريا بعد الحرب؟

من مشروع منفرد إلى اتجاه في السوق

المثير للاهتمام أن الحديث لم يعد عن حالة واحدة.

أبيات هيلز

أُطلق أبيات هيلز في ضاحية قدسيا E3 بالشراكة بين المؤسسة العامة للإسكان وشركة أبيات السعودية.

وبحسب وكالة سانا وشركة أبيات، تبلغ مساحة المشروع نحو 380 ألف متر مربع ويضم أكثر من 2000 وحدة سكنية، مع مرافق خدمية وتجارية وتعليمية وترفيهية، وخطة تنفيذ تمتد لأربع سنوات.

إنه بالتالي ليس مشروع أبنية سكنية بالمعنى التقليدي، بل محاولة لإنشاء بيئة عمرانية متكاملة.

يعفور 963

بعد ذلك ظهر يعفور 963 في ريف دمشق، وهو مشروع من تطوير IGO على مساحة تقارب 144 ألف متر مربع.

المشروع يضم 13 مبنى، منها 12 مبنى سكنياً، وتذكر المصادر المتخصصة أنه يوفر نحو 1280 وحدة سكنية، مع تخصيص أكثر من 75% من الموقع للمساحات المفتوحة والخضراء والمرافق المشتركة.

وتشمل الخدمات المعلن عنها مرافق رياضية وترفيهية ونادياً اجتماعياً ومواقف ومساحات خضراء، إضافة إلى تقنيات المنازل الذكية والتدفئة والتبريد الحديثة.

وهنا يصبح مفهوم المجتمع السكني المتكامل أكثر وضوحاً.

شام فيو

ثم جاء شام فيو بحجم أكبر بكثير.

وفق المعلومات الرسمية المنشورة عن المؤسسة العامة للإسكان، يقع المشروع بين ضاحية قدسيا ومشروع دمر، ويمتد على مساحة 178 هكتاراً، أي 1.78 مليون متر مربع.

ويضم أكثر من 10 آلاف وحدة عقارية، منها نحو 7500 شقة سكنية وأكثر من 2000 وحدة تجارية وفندقية، ويستهدف استيعاب أكثر من 22 ألف نسمة، إضافة إلى أكثر من سبع مدارس ومساجد ومراكز ثقافية وخدمية.

نحن هنا لم نعد نتحدث عملياً عن “مجمع سكني” صغير.

نحن أمام مساحة وعدد سكان ومرافق تجعل المشروع أقرب إلى حي أو تجمع عمراني جديد بالكامل.

واللافت أيضاً أن المؤسسة العامة للإسكان تقول إن تمويل المشروع يعتمد على أموال المستثمرين وليس على أموال المكتتبين، وأن الأقساط مرتبطة بتقدم أعمال التنفيذ.

رويال سيتي

وفي الصبورة بريف دمشق، أُعلن أيضاً عن رويال سيتي بالشراكة بين المؤسسة العامة للإسكان وشركة دوسكي.

المشروع يضم 500 وحدة سكنية بثلاثة نماذج، إلى جانب مرافق تجارية وخدمية وترفيهية وتعليمية، وحدائق ومساحات خضراء وشبكة طرق داخلية.

كما يتضمن مركزاً تجارياً عند المدخل ومركزاً خدمياً وترفيهياً في قلب المشروع، مع أنظمة ذكية لإدارة الطاقة وإعادة تدوير المياه والنفايات.

ومن دمشق إلى حلب

الاتجاه لا يقتصر على دمشق وريفها.

ففي حلب يظهر مشروع ضاحية زمزم السكنية والمنتجعية، الذي تسجله قواعد بيانات مشاريع الإعمار كمجمع سكني مخطط على مساحة تقارب 140 ألف متر مربع ومقسم إلى أربع مراحل.

وهذا يعني أن ما نراه ربما لا يكون مجموعة مشاريع منفصلة، بل بداية نمط جديد في التطوير العقاري السوري.

لكن هل جميع هذه المشاريع “مجمعات مغلقة”؟

هنا يجب أن نكون دقيقين.

ليس من الصحيح وضع جميع المشاريع السابقة تلقائياً تحت تصنيف Gated Community.

وجود مركز تجاري وحدائق ومرافق داخل المشروع لا يعني بالضرورة أن المواطن من خارج المشروع ممنوع من الدخول.

ووجود بوابة لا يعني بالضرورة وجود فصل اجتماعي.

وحتى وجود أمن خاص لا يجعل الحي تلقائياً مدينة مغلقة.

لذلك يجب التفريق بين: المجتمع السكني المتكامل Integrated Community

وبين: المجتمع السكني المغلق Gated Community.

الأول قد يكون متصلاً تماماً بالمدينة، بينما الثاني يقوم على تقييد الدخول إلى أجزاء كبيرة من المشروع.

لكن الانتشار السريع لفكرة المجتمعات المتكاملة يجعل من الضروري طرح السؤال الآن، قبل أن يتحدد النموذج السوري لسنوات قادمة.

المشكلة ليست في الرفاهية

يجب ألا يتحول هذا النقاش إلى موقف ضد الاستثمار أو الأغنياء أو السكن الفاخر.

سوريا تحتاج اليوم إلى الاستثمار العقاري.

وتحتاج إلى رؤوس أموال سورية وعربية وأجنبية.

وتحتاج إلى شركات قادرة على تنفيذ مشاريع كبيرة، وإلى آلاف فرص العمل في الهندسة والبناء والصناعة والخدمات.

كما يحتاج السوق إلى رفع معايير البناء والتخطيط والمساحات الخضراء وإدارة المرافق.

وجود شقة فاخرة أو فيلا بمئات آلاف الدولارات ليس مشكلة بحد ذاته.

المشكلة تبدأ عندما تتحول القدرة المالية إلى حق مختلف في المدينة.

عندما يصبح السور اجتماعياً

تخيل المشهد بعد عشر سنوات.

داخل أحد المشاريع:

شوارع نظيفة ومضاءة.

مساحات خضراء واسعة.

مياه مستقرة.

كهرباء مستقرة.

أمن على مدار الساعة.

ملاعب ونوادٍ ومدارس ومطاعم ومراكز تجارية.

وخارج السور، على بعد مئات الأمتار:

حي يعاني من انقطاع الكهرباء والمياه، طرق متضررة، حدائق قليلة، ومدارس مكتظة.

هنا لم يعد الفرق بين المواطنَين مساحة المنزل أو سعره.

أصبح لكل منهما مدينة مختلفة.

وهذا هو الخطر الحقيقي في المجمعات المغلقة عندما يتم تطبيقها بلا سياسة عمرانية واضحة.

السور عندها لا يعود سوراً من الحجر والحديد فقط.

بل يصبح سوراً طبقياً.

من “مصر” إلى “Egypt”… فهل نصل من “سوريا” إلى “Syria”؟

من المفيد هنا النظر إلى تجربة دول سبقتنا في انتشار المجمعات السكنية الخاصة، وخصوصاً مصر.

في أطراف القاهرة، لم تعد بعض المشاريع مجرد أحياء راقية، بل أصبحت منظومات حياة شبه مستقلة: السكن، المدرسة، النادي، المطعم، التسوق، المساحات الخضراء والأمن يمكن أن توجد كلها داخل المجتمع نفسه.

ومع مرور الوقت نشأت حتى لغة تسويقية واجتماعية مختلفة.

هناك مصر

وهناك عالم الـ Compounds، Residence، Hills، Park، New Cairo… المجود في مصر الاجنبية Egypt

المشكلة بالطبع ليست في اللغة الإنكليزية.

لكن اللغة أصبحت رمزاً أحياناً لعالم اجتماعي واقتصادي مختلف عن المدينة التقليدية.

وهنا يمكن أن نطرح السؤال السوري بصورة متعمدة ومستفزة قليلاً:

هل سنصبح أمام “سوريا” و “Syria”؟

سوريا التي يعيش فيها معظم السوريين.

و Syria أخرى خلف البوابات، بمياهها وكهربائها وحدائقها ومدارسها وأمنها وخدماتها الخاصة؟

هل نريد أن ينتقل التفاوت في الدخل إلى تفاوت في الحق بالمدينة نفسها؟

السؤال الأكثر حساسية: من سيدفع الماء والكهرباء؟

لنفترض أن مشروعاً يضم ألفي أو خمسة آلاف أو سبعة آلاف شقة.

ولديه عشرات آلاف الأمتار من الحدائق ومدارس وإنارة شوارع ومراكز تجارية ونادٍ رياضي ونوافير أو مسطحات مائية ومرافق خدمية.

هذه ليست مجرد تكلفة إنشاء.

إنها فاتورة تشغيل دائمة.

من أين ستأتي المياه لري هذه المساحات؟

ومن أين ستأتي الكهرباء لإنارتها وتشغيل مرافقها؟

من سيدفع تكلفة الصرف الصحي؟

من سيصون الطرق؟

من سيجمع النفايات؟

ومن سيجدد الشبكات بعد عشرين عاماً؟

هذا السؤال يصبح أكثر أهمية عندما نتحدث عن مشاريع ضخمة مثل شام فيو، الذي يستهدف وحده أكثر من 22 ألف نسمة.

الخاص يجب أن يدفع ثمن خصوصيته

إذا كانت الحديقة خاصة بسكان المجمع، فمن المنطقي أن يتحمل سكان المجمع تكلفتها.

إذا كانت الشوارع خاصة، فيجب أن تكون هناك آلية واضحة لتمويل صيانتها.

وإذا كان الأمن خاصاً، فمن الطبيعي أن يدفع المستفيدون تكلفته.

لكن ماذا لو كانت المياه مدعومة من الدولة؟

أو الكهرباء؟

أو الطرق؟

أو شبكات الصرف؟

عندها يصبح السؤال مشروعاً:

هل يدفع المواطن الذي يعيش خارج المجمع جزءاً من تكلفة مستوى معيشي لا يستطيع الوصول إليه؟

الخصوصية حق.

والرفاهية حق لمن يستطيع دفع ثمنها.

لكن الخصوصية والرفاهية الخاصة لا ينبغي أن تموَّلا من الخدمة العامة.

وماذا لو كانت الطرق والحدائق عامة؟

هذه نقطة قانونية وعمرانية يجب أن تكون واضحة جداً في أي مشروع جديد.

إذا قامت الدولة أو المؤسسة العامة للإسكان بتخصيص الأرض، وأصبحت بعض الطرق والحدائق والمدارس والمرافق في النهاية مرافق عامة، فهل يحق لإدارة المشروع أن تضع بوابة وتمنع مواطناً من الوصول إليها؟

وإذا كانت خاصة بالكامل، فما هي العلاقة القانونية بينها وبين المدينة؟

ومن يملك الأرض تحت الطريق؟

ومن يدير البنية التحتية؟

ومن يتحمل تكاليفها بعد انتهاء المشروع وخروج المطور؟

هذه الأسئلة ليست تفاصيل فنية.

إنها التي تحدد إن كنا نبني حياً داخل المدينة أم مدينة خاصة داخل المدينة.

سوريا الخارجة من الحرب تحتاج إلى أكثر من مشاريع جميلة

في بلد طبيعي ومستقر، يمكن النظر إلى الـGated Community باعتباره منتجاً عقارياً آخر.

لكن سوريا ليست في ظرف طبيعي.

هناك مدن وبلدات تحتاج إلى إعادة بناء.

هناك شبكات مياه وكهرباء وصرف صحي تحتاج إلى استثمارات هائلة.

وهناك عائلات عادت أو تريد العودة وتحتاج إلى مساكن يمكنها تحمل تكلفتها.

وهناك طبقة وسطى فقدت خلال سنوات الحرب جزءاً كبيراً من قدرتها الشرائية.

لذلك عندما نعلن عن مشروع بقيمة كبيرة، يجب ألا نسأل فقط:

هل المشروع جميل؟

بل: ما المشكلة السورية التي يحلها؟

هل إعادة الإعمار هي بناء الجديد أم إصلاح المدمر؟

مشروع فاخر جديد يمكن أن يكون استثماراً ممتازاً.

ويمكن أن يوفر آلاف الوظائف.

ويمكن أن يجذب العملة الأجنبية.

ويمكن أن يرفع مستوى قطاع البناء السوري بأكمله.

كل ذلك إيجابي.

لكن علينا ألا نخلط تلقائياً بين التطوير العقاري و إعادة الإعمار.

إنشاء مجتمع فاخر جديد في أرض غير متضررة هو تطوير عقاري.

إعادة شبكة المياه إلى حي مدمر هي إعادة إعمار.

إعادة المدارس والطرق والمنازل إلى منطقة نزح أهلها هي إعادة إعمار.

وسوريا تحتاج إلى الاثنين.

لكنها تحتاج أيضاً إلى توازن بينهما.

ربما الحل ليس منع المجمعات… بل إعادة تعريفها

لا أعتقد أن الحل هو منع المجمعات السكنية الحديثة أو الفاخرة.

بل ربما تستطيع سوريا تطوير نموذج أفضل.

يمكن أن تكون المنطقة السكنية نفسها آمنة وذات دخول مضبوط، بينما يكون المركز التجاري والمطاعم وبعض الحدائق مفتوحة للجمهور.

يمكن أن يدفع المطور مقابل تطوير الطريق العام المحيط بالمشروع.

يمكن إلزام المشاريع الكبرى بإنشاء أو تطوير بنية تحتية يستفيد منها الحي المجاور أيضاً.

ويمكن فرض نموذج مالي واضح يجعل المرافق الخاصة ممولة بالكامل من أصحابها ومستفيديها.

ويمكن تشجيع مشاريع تضم مستويات مختلفة من الوحدات بدلاً من إنشاء مجتمع كامل لشريحة دخل واحدة.

عندها يمكن للمشروع أن يكون:

راقياً، آمناً، خاصاً، مربحاً… دون أن يكون جزيرة.

فرصة أمام وزارة الإسكان

وجود أبيات هيلز وشام فيو ورويال سيتي ويعفور 963 ومشاريع أخرى في فترة زمنية قصيرة يعني أن الوقت ربما حان لوضع سياسة واضحة للمجتمعات السكنية المتكاملة والمغلقة في سوريا.

قبل أن تصبح المشاريع واقعاً يصعب تغييره.

ويمكن لهذه السياسة أن تجيب عن أسئلة بسيطة ولكن جوهرية:

من يملك الطرق؟

من يملك الحدائق؟

ما الذي يعتبر مرفقاً عاماً؟

ما الذي يمكن إغلاقه؟

من يدفع تكاليف الماء والكهرباء؟

هل يمكن دعم الخدمات الخاصة؟

كيف يصل الدفاع المدني والإسعاف إلى المشروع؟

ماذا يحدث بعد خروج المطور؟

وما هي مساهمة المشروع في المنطقة المحيطة به؟

لا نحاكم المشاريع… بل نناقش الاتجاه

ليس الهدف من هذا المقال الحكم على أبيات هيلز أو شام فيو أو رويال سيتي أو يعفور 963.

بل على العكس.

هذه المشاريع قد تكون مؤشراً مهماً على عودة الاستثمار العقاري الكبير إلى سوريا، وقد تساهم في إدخال معايير جديدة في التخطيط والبناء والخدمات.

لكن عندما يبدأ رأس المال برسم مدننا الجديدة، يجب أن يكون لدى المجتمع والدولة أيضاً تصور واضح للمدينة التي يريدانها.

لأن القرارات العمرانية التي نتخذها اليوم قد تبقى معنا خمسين أو مئة عام.

السؤال ليس: كم شقة سنبني؟

سوريا بعد الحرب بحاجة إلى استثمارات ضخمة.

لكنها أيضاً بحاجة إلى إعادة بناء العلاقة بين السوريين ومدنهم.

من الطبيعي أن توجد أحياء غالية وأخرى أرخص.

ومن الطبيعي أن يعيش شخص في شقة بـ100 ألف دولار وآخر في منزل بمليون دولار.

ومن الطبيعي أن يشتري من يستطيع خدمات إضافية وخصوصية أكبر.

لكن علينا أن نسأل أين ينتهي الاختلاف الاقتصادي المشروع وأين يبدأ العزل الطبقي المكاني.

هل نريد مدناً يلتقي فيها السوريون في الشارع والحديقة والمقهى والمدرسة؟

أم مدناً يصبح فيها لكل طبقة شارعها وحديقتها وأمنها ومياهها وكهرباؤها وبوابتها؟

بعد حرب صنعت بين السوريين خطوط تماس وجدراناً وحواجز كثيرة، يجب أن نفكر جيداً قبل أن نعيد إنتاج الحدود بطريقة جديدة، حتى لو كانت هذه المرة محاطة بالأشجار والحدائق والواجهات الجميلة.

نحن بحاجة إلى استثمار عقاري.

ونحتاج إلى مساكن حديثة.

ونحتاج إلى مجتمعات آمنة وجميلة.

لكننا نحتاج قبل كل ذلك إلى مدن تجمع السوريين، لا إلى جزر تعزلهم عن بعضهم.

وربما يكون السؤال الأهم الذي يجب أن يرافق كل مشروع عقاري ضخم في سوريا الجديدة:

لا تسألوا فقط: كم وحدة سكنية سيبني المشروع؟

اسألوا أيضاً: أي مجتمع سيبني؟

اشترك في النقاش